ابن حزم

360

رسائل ابن حزم الأندلسي

الصفاء في حال الشدة والرخاء والسعة والضيق والغضب والرضى ، تغير علي أقبح تغير بعد اثني عر عاماً متصلة في غاية الصفاء ، ولسبب لطيف جداً ما قدرت قط أنه يؤثر مثله في أحد من الناس ، وما صلح لي بعدها ، ولقد أهمني ذلك سنين كثيرة هماً شديداً ] . فلا تستعجل مع هذا سوء المعاملة فتلحق بذوي الشرارة من الناس وأهل الخب منهم . ولكن ها هنا طريق وعرة المسلك شاقة المتكلف ، يحتاج سالكها إلى أن يكون أهدى من القطا وأحذر من العقعق ( 1 ) حتى يفارق الناس راحلاً إلى ربه تعالى ، وهذه الطريق هي طريق الفوز في الدين والدنيا [ يحرز صاحبها صفاء نيات ذوي النفوس السليمة والعقود الصحيحة ، البراء من المكر والخديعة ، ويحوي فضائل الأبرار وسجايا الفضلاء ، ويحصل مع ذلك على سلامة الدهاة وتخلص الخبثاء ذوي النكراء والدهاء ] ، وهي أن تكتم سر كل من وثق بك ، وأن لا تفشي إلى من إخوانك ولا من غيرهم من سرك ما يمكنك طيه بوجه ما من الوجوه وإن كان أخص الناس بك ، وان تفي لجميع من ائتمنك ، ولا تأتمن أحداً على شيء من أمرك تشفق عليه إلا عن ضرورة لا بد منها ، فارتد حينئذ واجتهد وعلى الله تعالى الكفاية . وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك أو لم يسألك ولكل من احتاج إليك وأمكنك نفعه لم يعتمدك بالرغبة . ولا تشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك عز وجل . ولا تبت إلا على أن أول من أحسنت إليه أول مضر بك وساع ( 2 ) عليك ، فإن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون ، لشدة الحسد ، كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم . وعامل كل أحد في الإنس أجمل معاملة وأضمر

--> ( 1 ) أهدى من القطا وأحذر من العقعق ، انظر الدرة الفاخرة : 441 وفي اهتداء القطا يقول الشاعر : " تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا " . ( 2 ) ص : وتسارع .